ابن عربي
29
ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق
يقول : هذه الصور الجليلة إذا خفن في تجسدهن من تقييدهن بالصورة عما هي عليه من الإطلاق أشعرنك بأنهن حجاب على أمر هو ألطف مما رأيت فعندما تحس أنت بذلك الشعور ارتفعت همتك لذلك فانسترت عنك فأخلين الصور واسترحن من التقييد وانفسحن في مراتبهن المنزهة . [ تغير محل الرياضات والمجاهدات بسبب السن وعدم قوة الشباب ] درست ربوعهم وإنّ هواهم * أبدا جديدا بالحشا ما يدرس يقول : إنّ محال الرياضات والمجاهدات التي هي منازل الأعمال تغيرت للسن وعدم قوة الشباب واختص ذكر الربع دون الطلل والرسم والدار والمنزل ليكون له اشتقاق من زمن الربيع الذي هو بمنزلة الشباب من عمر الإنسان فإنّ التغيير إنما لحق قرة الشباب وريعانه ، وكنّى عن النفس التي هي محل الهوى بالحشا لأنها كالمحشوة في البدن أي هو حشو فيه ، ولذا قال : فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ( 83 ) [ الواقعة : 83 ] يعني عند خروجها بالموت فنقول : إن هواهم بالنفس ما يتغير ، بل هو على غضاضته « 1 » وطراوته لأنه قائم بذات غير طبيعية : هذي طلولهم وهذي الأدمع * ولذكرهم أبدا تذوب الأنفس يقول : هذي طلولهم يقول : أشخاص منازلهم كأنّ الشخص هو الطلل وهو من طل إذا بدأ يظهر ومنه الطل الذي هو أول نشء المطر فهو ضعيف وهذه الأدمع مناسبة للطلل لاشتقاقه من الطل أي يبكي على التقصير لعدم مساعدة الآلات فيما يريده من الطاعات ، وقوله : ولذكرهم وهو حنين العارفين في نهايتهم إلى موطن بدايتهم ، وأنه ليس شيء أعظم لذة من البداية . ناديت خلف ركابهم من حبّهم * يا من غناه الحسن ! ها أنا مفلس يقول : لما رحلت قوى الشباب وملذوذات البداية في الفترة والحيرة والهمم تزعج والمركب غير مساعد بقيت في صورة المفلس الذي يرى أطايب الملذوذات ويدخل سوق النعيم والشهوات وما له درهم يصل به إلى نيل شهوة من شهواته والضمير في غناه يعود إلى عصر الشباب وعلى عصر البدايات فهو متوجه لهما ، ونسب إليه الحسن لكونه معشوقا ، فإنّ الحسن معشوق لذاته في كل شيء ظهر . مرّغت خدّي رقّة وصبابة * فبحقّ حقّ هواكم لا تؤيسوا يقول : مرّغت خدّي رقة وصبابة يشير إلى نزوله لحقيقة من الذل والافتقار طلبا للوصال ، فإنّ الحق يقول : تقرب إليّ بما ليس لي هو والذلة والافتقار والصبابة رقة الشوق ، فإذا كانت الذلة بضرب من المحبة « 2 » هي أمكن في الوصلة من الذلة بلا حب ،
--> ( 1 ) الغضّ : الطري الحديث من كل شيء . ( 2 ) انظر الرسالة القشيرية ( المحبة ) ص 317 - 329 .